السيد عباس علي الموسوي

477

شرح نهج البلاغة

ثم نفى أن يكون مصداقا لقول القائل وهو حاتم بن عبد الله الطائي ومفاد الشعر أن من المرض الشديد أن تأكل حتى تمتلئ وحولك شعب يتمنى أن يطال القد وهو الجلد الذي لا يؤكل ولا يستساغ فأنت تأكل حتى تمرض وتبذح وتسرف وشعبك يرمق الحياة فيتمنى أن تقع يده على كسرة ليسد جوعته ويرفع ألم المجاعة عنه . . . ( أأقنع من نفسي بأن يقال : هذا أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش ) يرفض الإمام كل قناعته بإمرة المؤمنين ولا يكتفي بهذه الاسم إذا لم يشارك شعبه في المصائب والنكبات ويعيش معه في قساوة الدهر وصعوباته . . . إنه أمير المؤمنين فيجب أن يكون أسوة لهم وقدوة يعيش الحرمان قبلهم ويعيش الحاجة قبلهم ويعيش الجوع قبل أن تجوع الأمة وهذه هي سيرة العظماء على مدى التاريخ يتساوون مع أضعف رعيتهم بل يمارسون على أنفسهم رياضة الحرمان الاختيارية ليضربوا لشعبهم المثل الصالح فيصبر الفقير عند رؤيتهم ويتطلع إلى غد أفضل مما هو فيه . ( فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات كالبهيمة المربوطة همها علفها أو المرسلة شغلها تقممها تكترش من أعلافها وتلهو عما يراد بها أو أترك سدى أو أهمل عابثا أو أجر حبل الضلالة أو أعتسف طريق المتاهة ) نبهّ عليه السلام على سبب تركه للطيبات بأنه لم يخلق للشغل بها أو لقضاء الوقت في تناولها كما هو حال الدابة المربوطة على معلفها همها أن تأكل بنهم ورغبة لاهية عن كل أمر آخر أو يكون كالبهيمة المرسلة التي أهملها أصحابها فهي تشتغل بما يقع في طريقها فتلمه بشفتيها وهكذا تبقى حتى تمتلئ وتسمن وتكترش لاهية عما يراد بها وأن وراء سمنها ذبحها . . . كما بين أنه لم يخلق من أجل أن يترك مهملا يعمل ما يشاء دون حسيب أو رقيب أو يترك ليعبث في الحياة دون غاية كريمة أو هدف شريف أو يكون ممن ينشر الضلال والفساد في الأرض تائها لا يدري غايته أو نتيجة سيره ، إنه لم يخلق من أجل ذلك كله بل خلق من أجل أن يتكامل ويصل إلى مرضاة اللّه . . . ( وكأني بقائلكم يقول : إذا كان هذا قوت ابن أبي طالب فقد قعد به الضعف عن قتال الأقران ومنازلة الشجعان . . . ألا وإن الشجرة البرية أصلب عودا والرواتع الخضرة أرق جلودا والنابتات العذية أقوى وقودا وأبطأ خمودا وأنا من رسول اللّه كالضوء من الضوء والذراع من العضد ) دفع عليه السلام ما يمكن أن يخطر في الأذهان وهو أن من كان هذا هو طعامه فإنه يضعف بدنه ويرق عوده وهذا يؤدي إلى قعوده عن مقابلة الأبطال وقتال الشجعان ممن على شاكلته ومن المعروف أن الأبطال يقصدون التغذية المفيدة التي